ميزان العمل
بيان
أن الفتور عن طلب السعادة حماقة
بيان أن الفتور عن طلب الإيمان به حماقة
بيان أن طريق السعادة العلم والعمل
بيان تزكية النفس وقواها وأخلاقها على
سبيل المثال والإجمال:
بيان ارتباط قوى النفس بعضها ببعض
بيان مفارقة طريق الصوفية في جانب العلم
طريق غيرهم:
بيان جنس العلم والعمل الموصلين إلى جنة
المأوى
بيان مراتب النفس في مجاهدة الهوى
والفرق بين إشارة الهوى والعقل:
بيان الطريق الجملي في تغير الأخلاق
ومعالجة الهوى
بيان مجامع الفضائل التي بتحصيلها تنال
السعادة
بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق
بيان ما يندرج تحت فضيلة الحكمة
ورذيلتيها من الخب والبله:
بيان ما يندرج تحت فضيلة الشجاعة
بيان ما يندرج تحت فضيلة العفة ورذيلتها
بيان أن الإنسان بسبب هذه القوى الثلاث
يحصّل هذه الأخلاق كلها.
بيان البواعث على تحري الخيرات والصوارف
عنها
بيان ما يحمد ويذم من أفعال شهوة البطن
والفرج والغضب:
بيان شرف العقل والعلم والتعليم
بيان وظائف المتعلم والمعلم في العلوم
المسعدة
بيان الطريق في نفي الغم في الدنيا
بيان علامة المنزل الأول من منازل
السائرين إلى الله تعالى:
بيان معنى المذهب واختلاف الناس فيه
أبو حامد
محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي،
رضي الله تعالى عنه وأرضاه:
لما كانت السعادة التي هي مطلوب الأولين والآخرين لا تنال إلا بالعلم والعمل، وافتقر كل واحد منهما إلى الإحاطة بحقيقته ومقداره، ووجب معرفة العلم والتمييز بينه وبين غيره بمعيار، وفرغنا منه، وجب معرفة العمل المسعد، والتمييز بينه وبين العمل المشقي. فافتقر ذلك أيضاً إلى ميزان، فأردنا أن نخوض فيه ونبين أن الفتور عن طلب السعادة حماقة، ثم نبيّن العلم وطريق تحصيله، ثم نبيّن العمل المسعد وطريقه. وكل ذلك بطريقة تترقى عن حد طريق التقليد إلى حد الوضوح، لو استقصى بحقيقته وطوّل الكلم فيه ارتقى إلى حد البرهان على الشروط التي ذكرناها في "معيار العلم". وإن كنا لسنا نطوّل الكلام به، ولكن نرشد إلى أصوله وقوانينه.
بيان أن الفتور عن طلب السعادة حماقة
السعاة
الآخروية التي نعني بها
بقاء
بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان، وعز بلا ذل، وبالجملة كل ما يتصوّر أن يكون مطلوب طالب ومرغوب راغب، وذلك أبد الآباد، وعلى وجه لا تنقصه تصرم الأحقاب والآماد، بل لو قدّرنا الدنيا مملوءة بالدّرر، وقدّرنا طائراً يختطف في كل ألف سنة حبة واحدة منها، لفنيت الدّرر ولم ينقص من أبد الآباد شيء، فهذا لا يحتاج إلى استحثاث على طلبه، وتقبيح الفتور فيه بعد اعتقاد وجوده، إذ كان عاقل يتسارع إلى أقل منه، ولا يصرف عنه كون الطريق إليه متوعراً، ومحوجاً إلى ترك لذات الدنيا، واحتمال أنواع من التعب هنا. فإن المدة في احتمال التعب منحصرة، والفائت فيها قليل. واللذات الدنيوية منصرمة منقضية. والعاقل يتيسر عليه ترك القليل نقداً في طلب أضعافه نسيئة. ولذلك ترى الخلق كلهم في التجارات والصناعات، وحتى في طلب العلم، يحتملون من الذل والخسران، والتعب والنصب، ما يعظم مقاساته طمعاً في حصول لذة
لهم في المستقبل، تزيد على ما يفوتهم في الحال زيادة
محدودة، فكيف لا يسمحون بتركه في الحال للتوصل إلى مزايا غير مقدرة ولا محدودة. ولم يخلق في الدنيا
عاقل هو حريص
على
طلب المال، كلف بذل الدينار وانتظار شهر ليعتاض منه بعد مضي الشهر الإكسير الأعظم الذي يقلّب النحاس ذهباً إبريزاً، إلا
تسمح نفسه ببذله، وإن كان ذلك فواتاً
في
الحال. حتى أن من لم يحتمل ألم الجوع مثلاً، في مثل هذه المدة ليتوصل به إلى هذه
النعم الجسيمة، لم يعدّ عاقلاً، ولعل ذلك لا يتصور وجوده في الخلق، مع أن الموت
وراء الإنسان بالمرصاد، والذهب لا ينفع في الآخرة. وربما يموت في الشهر أو بعد
الشهر بيوم فلا ينتفع بالذهب. وكل ذلك لا يفتر رأيه في البذل، طمعاً في هذا العوض.
فكيف يفتر رأي العاقل في مقاساة الشهوات، في أيام العمر وأقصاها مائة سنة، والعوض
الحاصل عنها سعادة لا آخر لها؟ ولكن فتور الخلق عن سلوك طريق السعادة لضعف إيمانهم
باليوم الآخر، وإلا فالعقل الناقص قاض بالتشمير لسلوك طريق السعادة فضلاً عن
الكامل.
بيان أن الفتور عن طلب الإيمان به حماقة
أقول
أن فتور الإيمان أيضاً مع أنه من الحماقة، فليس يقتضي الفتور في سلوك سبل السعادة،
لولا الغفلة. فإن الناس في أمر الآخرة أربع فرق: فرقة اعتقدت الحشر والنشر والجنة
والنار، كما نطقت به الشرائع، وأفصح عنه وصفه القرآن، وأثبتوا اللذات الحسية التي
ترجع إلى المنكوح والمطعوم والمشموم والملموس والملبوس والمنظور إليه، واعترفوا
بأنه يضاف إلى ذلك أنواع من السرور، وأصناف من اللذات التي لا يحيط بها وصف
الواصفين، فهي "مما لا أعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". وأن
ذلك يجري أبداً بلا انقطاع، وأنه لا ينال إلا بالعلم والعمل. وهؤلاء هم المسلمون
كافة، بل المتبعون للأنبياء على الأكثر من اليهود والنصارى، وفرقة ثانية، وهم بعض
الإلهيين الإسلاميين من الفلاسفة، اعترفوا بنوع من اللذة لا تخطر على قلب بشر
كيفيتها، وسموها لذة عقلية. وأما الحسيات فأنكروا وجودها من خارج. ولكن أثبتوها
على طريق التخيل في حالة النوم. ولكن النوم يتكدر بالتنبه، وذلك لا تكدر له بل هو
على التأبيد. وزعموا أن ذلك يثبت لطائفة من المشغوفين بالمحسوسات، والذين التفات
نفوسهم مقصور عليها، ولا يسمون إلى اللذات العقلية. وهذا لا يفضي إلى أمر يوجب
فتوراً في الطلب، فإن الالتذاذ إنما يقع بما يحصل في نفس الإنسان من التأثر
بالملموس والمنظور والمطعوم وغيره. والشيء الخارج سبب في حصول الأثر، وليست اللذة
من الأثر الخارج بل من الأثر الحاصل عند حضور الخارج. فإذا أمكن حصول الأثر في
النفس دون الشيء الخارج، كما في حالة النوم، فلا أرب في الشيء الخارج. وفرقة ثالثة
ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسية جملة، بطريق الحقيقة والخيال، وزعموا أن التخيل لا
يحصل إلا بآلات جسمانية، والموت يقطع العلاقة بين النفس والبدن، الذي هو آلته في
التخيل وسائر
الاحساسات، ولا يعود قط إلى تدبير البدن بعد أن أطرحه، فلا
يبقى له إلا آلام
ولذات
ليست حسية ولكنها أعظم من
الحسية. فإن الإنسان في هذا العالم أيضاً ميله إلى اللذات العقلية، ونفرته عن الآلام العقلية أشد، ولذلك يكرهون في الطلب إراقة ماء الوجه، ويؤثرون الاحتزاز عن الافتضاح، والاستتار في قضاء شهوة الفرج، ومقاساة الآلام والمشقات. بل قد يؤثر الإنسان ترك الطعام يوماً أو يومين، ليتوصل به إلى لذة الغلبة في الشطرنج، مع حسيته، ولذة الغلبة عقلية. وقد يهجم على عدد كبير من المقاتلين ليقتل ويعتاض عنه ما يقدره في نفسه من لذة الحمد والوصف بالشجاعة. وزعموا أن الحسيات، بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة في غاية القصور. وتكاد يكون نسبتها
كنسبة إدراك رائحة
المطعوم اللذيذ
إلى
ذوقه ونسبة النظر في وجه المعشوق إلى مضاجعته ومجامعته، بل أبعد منه نسبة. وزعموا أن ذلك لما بعد عن فهم الجماهير مثّلت لهم تلك اللذات بما عرفوها من الحسيات، كما أن الصبي يشتغل بالتعلم لينال به القضاء أو الوزارة، وهو لا يدرك في الصبي لذاتهما، فيوعد بأمور يلتذ بها كثيراً كصولجان يلعب به، أو عصفور يعبث به وأمثاله، وأين لذة اللعب بالعصفور من لذة الملك والوزارة؟ ولكن لما قصر فهمه عن درك الأعلى مثّل بالأخس، ورّغب فيه تلطفاً باستدراجه إلى ما فيه سعادته. وهذا أيضاً إذا صح، فلا يوجب فتوراً في الطلب، بل يوجب زيادة الجد. وإلى هذا ذهبت الصوفية والإلهيون من الفلاسفة من عند آخرهم، حتى أن مشايخ
الصوفية صرّحوا ولم يتحاشوا، وقالوا: من يعبد الله لطلب الجنة
أو للحذر من النار فهو لئيم. وإنما مطلب القاصدين إلى الله أمر أشرف من هذا. ومن رأى مشايخهم وبحث
عن معتقداتهم وتصفح كتب المصنّفين منهم، فهم هذا الاعتقاد من
مجاري أحوالهم على
القطع.
وفرقة رابعة وهم
جماهير من الحمقى، لا يُعرفون بأسمائهم ولا يعدون في زمرة النظار، ذهبوا إلى أن الموت عدم محض، وإن الطاعة والمعصية لا عاقبة لهما، ويرجع الإنسان بعد موته إلى العدم، كما كان قبل وجوده. وهؤلاء لا يحل تسميتهم فرقة، فإن الفرقة عبارة عن جمع، وليس هذا مذهب جمع، ولا منسوباً إلى ناظر معروف، بل هو معتقد أحمق بطّال غلبت عليه شهوته، واستولى عليه شيطانه، فلم يقدر على قمع هواه، ولم تسمح له رعونته بأن يعترف
بالعجز عن مقاومة الهوى، فيتعلل لنقصانه بأن ذلك واجب وأنه الحق. ثم أحبّ أن
يساعده غيره، فدعا إلى البطالة وما جلبت عليه النفس من اتباع الهوى الذي هو أشد
حامل للأحمق على المسارعة إلى التصديق به، لا سيما وقد يحتال بعض الفسقة بنسبة هذا
المعتقد إلى معروف بدقائق العلوم، كأرسطو طاليس وافلاطون، أو إلى فرقة كالفلاسفة،
ويستدرج السامع بأن معرفتك لا تزيد على معرفتهم، وقد بحثوا زماناً وما تحصلوا على
طائل. ولا يشعر ذلك المسكين بتلبيسه، فيصدقه لموافقته طبعه، ولا يطالبه بالبرهان
في نقل المذهب عمّن نقله. ولو أخبره بأثر يتعلق به خسران درهم، لكان لا يصدقه إلا
ببرهان، ولو قال: إن أباك أقر لفلان بعشرة الدراهم التي خلفها لك، ومعه به سجّل
فيه خط الشهود، لقال: ما الحجة فيه وأين الشاهد الحي الذي يشهد به؟ وأي خبر في
السجّل المكتوب، وفي نقل الخطوط؟ ثم يصدّقه في نقل مذهب من سمّاه من غير شاهدين
يشهدان على سماعه، ومن غير عرض خطّ ذلك المذكور، ومن غير عرض تصنيف من تصانيفه،
ولو بخط غيره. ثم لو سمع ذلك المذكور بإذنه يصرّح بذلك، لكان ينبغي أن يتوقف في
القبول زاعماً أنه لا برهان عليه، وأن كان أخذه تقليداً. فتقليد الأنبياء
والأولياء والعلماء، بل تقليد الجماهير والدهماء من الخلق أولى من تقليد واحد ليس
معصوماً من الخطأ. فأنت الآن أيها المسترشد، بعد أن عرفت هذه المعتقدات، لا يخلو
حالك في اعتقاد الفرقة الضالة عن أربعة أقسام: إما أن تكون قاطعاً ببطلانه، أو
ظاناً لبطلانه، أو ظاناً لصحته ظناً غالباً، ومجوزاً لبطلانه بطريق الإمكان
البعيد، أو قاطعاً بصحته. وكيف ما كنت فعقلك يوجب عليك الاشتغال بالعلم والعمل،
والإعراض عن ملاذ الدنيا، إن سلم عليك عقلك، وصحّت خبرتك. وذلك لا يخفى إن كنت
قاطعاً ببطلانه. وإن كنت تظنّ بطلانه ظناً غالباً، تقاضاك عقلك التشمير في طلبه،
كما يتقاضى العقل تجشم المصاعب في ركوب البحر، لطلب الربح، وفي تعلم العلم في أول
الشباب، لطلب الرياسة عند من يطلبها، وفي نيل الوزارة أو باب من أبواب الكرامة
بمقاساة مقدماتها. وعواقب تلك الأمور مظنونة، وليست مقطوعاً بها، بل إذا غلب على
ظنّ الحريص على الدنيا أن الكيمياء له وجود، ويحتمل عنده عدمها، وعلم أن تعب شهر
يوصله إليها، إن كان لها وجود، ثم يتنعم بها بقية عمره الذي يمكن أن يكون أقل من
شهر، وأن يكون كثيراً، تقاضاه عقله أن يحتمل التعب في ذلك الشهر ويستحقره، وإن كان
معلوماً وعاجلاً، بالإضافة إلى ما يظنه وإن كان آجلاً ولم يكن مقطوعاً به. وإن كنت
تظن صحته ظناً غالباً، ولكن بقي من نفسك تجويز صدق الأنبياء والأولياء وجماهير
العلماء، ولو على بعد، فعقلك أيضاً يتقاضاك سلوك طريق الأمن، واجتناب مثل هذا
الخطر العائل. فإنك لو كنت في جوار ملك وأمكنك أن تتعاطى في واحد من محارمه مثلاً
عملاً من الأعمال، تظن ظناً غالباً أن يقع منه موقع الرضا، فيعطيك عليه خلعة
وديناراً، ويحتمل احتمالاً على خلاف الظن الغالب أنه يقع منه موقع السخط، فيتكّل
بك ويفضحك، ويديم عقوبتك طول عمرك، أشار عليك عقلك بأن الصواب أن لا تقتحم هذا الخطر.
فإنك إن فعلت وأصبت، فمزيته دينار لا يطول بقاؤه معك، وإن أخطأت فنكاله عظيم، يبقى
معك طول عمرك، ليس تفي ثمرة صوابه بغائله خطئه. ولذلك إذا وجدت طعاماً وأخبرك
جماعة بأنه مسموم، أو شخص واحد حاله دون حال نبي واحد، فضلاً عن أن يقدر على
التأييد بالمعجزة، وغلب على ظنك كذبه، كما غلب على ظنك الآن كذب الأنبياء كلهم،
ولكن جوّزت مع ذلك صدقه وعلمت أنه ليس في أكله إلا التلذذ بطعمه وحلاوته وقت
الذوق، وإن كان مسموماً ففيه الهلاك، فعقلك أيضاً يشير عليك باجتناب الخطر، إن كنت
من زمرة العقلاء. ولهذا قال علي رضي الله تعالى عنه لمن كان يشاغبه ويماريه في أمر
الآخرة: "إن كان الأمر على ما زعمت تخلصنا جميعاً. وإن كان الأمر كما قلت،
فقد هلكت ونجوت". ولا ينبغي أن تظن أن هذا تشكيك منه في اليوم الآخر ولكنه
زجر على حدّ جهل المخاطب القاصر عن معرفة ذلك بطريق البرهان. وهو الذي جرّأنا على
سلوك هذا المنهاج ليسهل تأمله على أهل البطالة والتقصير في الطاعة لله تعالى. وقد
تبيّن على القطع أن العظيم الهائل إن لم يكن معلوماً فبالاحتمال يتقدم على اليقين
المستحقر، لأن كون الشيء مستحقراً أو عظيماً بالإضافة. فلتنظر إلى منتهى العمر وما
يصفو من الدنيا للمترفهين، وتسير إلى ما أعتقده الفرق الثلاث من كمال السعادة
الآخروية ودوامها، وتعرف بالبديهة استحقار ما ترك من الدنيا في عظيم ما يعتاض عنها
بالإضافة إليها. وإن كنت في الحالة الرابعة، وهي اعتقاد صحة مذهب الفرقة الرابعة،
فنخاطبك على حد جهلك وقصورك، بوجهين: أحدهما أنك لم تعتقد هذا المعتقد ببرهان
حقيقي ضروري، لا يمكن الغلط فيه حتى يقال تنبهت لنوع من الدليل، غفل عنه الأنبياء
والأولياء والحكماء وكافة العقلاء. فإن الغلط إذا تطرد لهؤلاء، مع كثرتهم وغزارة
علومهم، وطول نظرهم، وكثرة معجزات أنبيائهم، فماذا تأمن الغلط في اعتقادك، وما
الذي عصمك؟ وأقل درجاتك أن يجوز الغلط على نفسك.
وإن
احتمل عندك صدق الجماهير وغلطك، التحقت بالحالة الثالثة. وإن لم تتسع نفسك لهذا التجويز حتى زعمت أنك عرفت بطلان اعتقاد الجماهير واستحالة كون النفس جوهراً باقياً بعد الموت، أو معاداً بطريق البعث والنشور، كما عرفت أن الاثنين أكثر من الواحد، وأن السواد والبيان لا يجتمعان، فهذا الآن من سوء المزاج وركاكة العقل. ويبعد مثل هذا الأحمق عن قبول العلاج، ولمثل هذا قال الله تعالى فيهم (أُولَئِكَ كَالأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ). الوجه الثاني: أن هذه الفرقة وإن أنكروا السعادة الآخروية، فلم ينكروا السعادة الدنيوية. وأعلى السعادات الدنيوية العزة والكرامة، والمكانة والقدرة، والسلامة من الغموم والهموم، ودوام الراحة والسرور. وهذا أيضاً لا يفوز به الإنسان إلا بالعلم والعمل، بعزل الولاة وأبطالهم. ولا يخفي لذة
العالم في علمه، وفيما
ينكشف له في
كل
لحظة من مشكلات الأمور، لا سيما إذا كان في ملكوت السموات والأرض، والأمور الآلهية. وهذا لا يعرفه من لم يذق لذة انكشاف المشكلات. ثم أنها لذة لا نهاية لها، لأن العلوم لا نهاية لها، ولا مزاحمة فيها، لأن المعلومات تتسع للطلاب وإن كثروا، بل استئناس العالم يزيد بكثرة شركائه،
إذا كان يقصد ذات العلم،
لا حطام الدنيا
ورئاستها، فإن الدنيا هي التي تضيق بالمزاحمة، بل يزداد سعة بكثرة الطلاب. ثم مع أنها أوفى اللذات عن عمن أنس بها، فهي أدومها، إذ المنعم بها عليه هو الله وملائكته، ولكن عند اكبابه على الطلب وتجرده له. ولذلك
لا ترى جماعة من الرؤساء والولاة، إلا وهم في خوف
العزل يتشوقون أن يكون عزهم كعز العلماء. وأما العمل فلسنا نعني به إلا رياضة الشهوات النفسانية،
وضبط الغضب،
وكسر هذه الصفات، لتصير مذعنة للعقل، غير مستولية
عليه، ومستسخرة له في ترتيب
الحيل الموصلة إلى قضاء الأوطار. فإن من قهر شهواته،
فهو الحرّ على التحقيق، بل
هو
الملك. ولذلك قال بعض
الزهاد لبعض الملوك: "ملكي أعظم من ملك"، فقال كيف: قال: "من أنت عبده عبدي"، وأراد به أنه عبد شهواته، وشهواته صارت
مقهورة له.
فعبد الشهوات، العاجز عن كسرها وقهرها، رقيق وأسير
بالطبع، لا يزال في عناء
دائم
وتعب متواتر، إن قضى
وطره يوماً عجز عنه أياماً. ثم لا يخلو في قضائها عن أخطار، وعلائق
ومشاق،
يضطر إلى تقلدها. فتقليل الشهوات تقليل لأسباب الغموم، ولا سبيل إلى
إماطتها
إلا بالرياضة والمجاهدة، وهو المراد بالعمل. فإذن العالم العامل أحسن
الناس حالاً، عند من رأى السعادة مقصورة على الدنيا. فإن الدنيا ليست تصفو لأحد،
وليس يفي جدواها بمشاقها. فالممعن في اتباع الشهوات، والمعرض عن النظر في
المعقولات، شقيّ في الدنيا باتفاق، وشقيّ في الآخرة عن الفرق الثلاث، إلا عند
شرذمة من الحمقى، لا يؤبه لهم، ولا يعبأ بهم، ولا يعدون في جملة العقلاء رأساً.
فقد تبين أن الاستعداد للآخرة بالعلم والعمل ضروري في العقل، وإن المقصر فيه جاهل.
فإن قلت: فما بال أكثر الناس مقصرين فيه وهم مؤمنون بالآخرة؟ فاعلم أن سبب ذلك
الغفلة عن التفكير في هذه الأمور التي ذكرناها فإن تلك الغفلة مطردة عليهم،
مستغرقة لأوقاتهم، لا ينتهون عنها ما دامت الشهوات متوالية، وهي كذلك. وإنما
المنبه عليها واعظ، زكي السيرة، وقد خلت البلاد عنه، وإن فرض على ندور لم يلتفت
إليه، وإن التفت إليه ووقع الإحساس به في الحال، وحسن العزم على التجرد للطاعة في
الاستقبال، هجمت عقب ذلك شهوة من الشهوات وأزالت أثر التنبيه، وأعادت حجاب الغفلة،
وعاد العاقل لما نهى عنه. ولا يزال هكذا شأن كل واحد إلى الموت، وعند ذلك لا يبقى
له إلا التحسر بعد الفوت، ولا يغني ذلك عنه شيئاً فنعوذ بالله من الغفلة، فإنها
منشأ كل شقاوة.
بيان أن طريق السعادة العلم والعمل
فإن قلت: قد
اتضح لي أن سلوك سبيل السعادة حزم العقلاء، والتهاون بها غفلة الجهال، ولكن كيف
يسلك الطريق من لا يعرفه، فبماذا أعلم بأن العلم والعمل هو الطريق، حتى أشتغل به؟
فلك في معرفته طريقان: أحدهما جملى، يناسب المنهاج السابق، وهو أن تلتفت إلى ما
اتفق عليه آراء الفرق الثلاث، وقد أجمعوا على أن الفوز والنجاة لا تحصل إلا بالعلم
والعمل جميعاً، وأن اتفقوا على أن العلم أشرف من العمل. وكأن العمل متمم له وسائق
بالعلم إلى أن يقع موقعه، ولأجله قال الله تعالى: (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلمُ
الطَّيبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، والكلم الطيب يرجع إلى العلم عند
البحث، فهو الذي يصعد ويقع الموقع، والعمل كالخادم له يرفعه ويحمله. وهذا تنبيه
على علو رتبة العلم. ومذهب الفرقة الأولى، وهم المتمسكون بالمفهوم الأول للجماهير
من ظواهر الشرع، غير خاف ربطه النجاة بالعلم والعمل، وبيانه لا يمكن أن يحصى.
والصوفية والفلاسفة، الذين آمنوا بالله واليوم الآخر على الجملة، وإن اختلفوا في
الكيفية، كلهم متفقون على أن السعادة في العلم والعبادة. وإنما نظرهم في تفصيل
العلم والعمل، والتوقف مع هذا الاتفاق حمق. فمن استولت عليه علة، واتفق كتب
الأطباء وأقوالهم، مع اختلاف أصنافهم، على أن النافع لهذه العلة المبرّدات، فتوقف
المريض فيه سفه في عقله، بل يقتضي العقل المبادرة إليه. نعم، ربما يكون له طريق
بعد ذلك إلى أن يتحقق ذلك، لا عن تقليد للجماهير بل عن تحقيق لحقيقة العلة، ووجه
مناسبة المبردات لإزالتها، فينتهض بصيراً إذا نظر واستقل، وترقّى عن حضيض التقليد
والاتباع، إلى ذروة الاستبصار. فكذلك قد ادعى الصوفية وفرق سواهم أنه يمكن الوصول
إلى درك ذلك بالبصيرة والتحقيق، وذلك أن تعرف حقيقة الموت، وأنه يرجع إلى خروج
الآلة عن الصلاة للاستعمال، لا إلى انعدام المستعمل. ثم تعلم أن سعادة كل شيء
ولذته وراحته في وصوله إلى كماله الخاص به. ثم تعلم أن الكمال الخاص بالإنسان هو
إدراك حقيقة العقليات، على ما هي عليه، دون المتوهمات والحسيات التي يشاركه
الحيوانات فيها. ثم تعلم أن النفس بالذات متعطشة إليه، وبالفطرة مستعدة له، وإنما
يصرفها عنه اشتغالها بشهوات البدن وعوارضه مهما استولت عليه ومهما كسر الشهوة
وقهرها وخلص العقل عن رقها واستعبادها إياه، وأكب بالتفكر والنظر على مطالعة ملكوت
السموات والأرض، بل على مطالعة نفسه وما خلق فيها من العجائب، فقد وصل إلى كماله
الخاص، وقد سعد في الدنيا إذ لا معنى للسعادة إلا نيل النفس كمالها الممكن لها،
وإن كانت درجات الكمال لا تنحسر. ولكن لا يشعر بتلك اللذة ما دام في العالم
ممنوعاً بالحس والتخيل وعوارض النفس، كالذي عرض للمطعم الألذ، وفي ذوقه خدر فيزول،
فيشعر باللذة المفرطة. فالموت مثل زوال الخدر، فقد سمعت مقدماً من متوعي الصوفية
يصرح بأن السالك إلى الله تعالى يرى الجنة وهو في الدنيا، والفردوس الأعلى معه في
قلبه، إن أمكنه الوصول إليه. وإنما الموصول إليه. بالتجرد عن علائق الدنيا،
والإكباب بجملة همته على التفكر في الأمور الآلهية، حتى ينكشف له بالإلهام الآلهي
جليها، وذلك عند تصفية نفسه عن هذه الكدورات. والوصول إلى ذلك هو السعادة، والعمل
هو المعين على الوصول إليه. فهؤلاء فرقة ادعوا المعرفة بمناسبة العلم والعمل
للسعادة، فهذا هو المنهج الثاني في الوصول إلى اليقين، فما قالوه سديد، وهو بزعمهم
لا يعرف إلا بالمجاهدة والرياضة، كما قال الله تعالى: (وَالذينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا). فعليك بالمجاهدة والتجرد للطلب، فربما ينكشف لك حقيقة
الحال بالنفي أو الإثبات. ويكفيك في الشروع في العلم والعمل اتفاق الثلاث عليه، إذ
لم يكن غرضك من السؤال الجدال، بل كان غرضك طلب الفوز، كالمريض الذي يطلب الشفاء
دون الجدال إذ بغيته اتفاق أصناف الأطباء فيه.
بيان تزكية النفس وقواها وأخلاقها على سبيل المثال
والإجمال:
فإن قلت: قد
اتضح لي أن الاشتغال بالعلم والعمل واجب، ولكن العلوم كثيرة، وكذلك الأعمال فهي
مختلفة بالنوع ثم المقدار، وليس يكفي العلم بأن العلة يلائمها المبردات، ما لم
يعلم نوع المبرد وقدره ووقت استعماله، في الموالاة أو التفريق، إلى غير ذلك مما
يتطرق إلى تفاصيل اضطرارية، فلا بد من بيان النوع وبيان الكمية ثم الكيفية في
الاشتغال به. فأعلم أن الناس فيما سألته فريقان: قانع بالتقليد، وهو مستغن عن
البحث، ولكن ينهج السبيل الذي رسمه له مقلده، وفريق آخر لا يقلدون تقليد المريض
للطبيب، بل يتشوقون إلى أن ينالوا رتبة الأطباء. والخطب في هذا عظيم، والمدى طويل،
وشروط هذا الأمر لا تظهر في الإعصار، إلا لواحد فرد شاذ. ولكنا ننبئك بما يرقيك عن
حضيض التقليد، ويهديك إلى سواء الطريق. فإن ساعدك التوفيق، وانبعث من نفسك داعية
الاستتمام، توصلت إليه بالمجاهدة ولا يمكنك معرفة ما تطلبه، إلا بأن تعرف أولاً
نفسك وقواها وخواصها، فكيف يشتغل بمخالطة زيد من لا يعرف زيداً؟ والمجاهدة معالجة
للنفس بتزكيتها، لتفضي إلى الفلاح، كما قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاهَا)، ومن لم يعرف الثوب لا يتصور منه إزالة
وسخه. ولما كان ملاك الأمر معرفة النفس، عظم الله أمره ونسبه إلى نفسه تخصيصاً وإكراماً،
فقال تعالى: (إنِّي خَالقٌ بَشَراً منْ طين، فَاذَا سَوّيْتَهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ
مِنْ رُوحي) فنبه على أن الإنسان مخلوق من جسم مدرك بالبصر ونفس مدركة بالعقل
والبصيرة لا بالحواس، وأضاف جسده إلى الطين وروحه إلى نفسه. وأراد بالروح ما نعنيه
بالنفس، منبهاً لأرباب البصائر أن النفس الإنسانية من الأمور الآلهية، وإنها أجل
وأرفع من الأجسام الخسيسة الأرضية ولذلك قال تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرّوح
قُل الرّوحُ مِنْ أَمْر رَبي)، وقيل: "كان في كتب الله المنزلة إعرف نفسك يا
إنسان تعرف ربك". وقال عليه السلام: "أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه".
وقال تعالى: (وَلاَ تَكُونُوا كَالّذينَ نَسُوا الله فأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)،
تنبيهاً على تلازم الأمرين، وأن نسيان أحدهما مع نسيان الآخر. ولذلك قال تعالى:
(سَنُريَهم آياتِتنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِم)، وقال تعالى: (وَفي أَنْفُسِكُم
أَفَلاَ تُبْصِرُونَ). وما أراد به ظاهر الجسد، فإن ذلك يبصره البهائم، فضلاً عن
الناس. وعلى الجملة، من جهل نفسه فهو بغيره أجهل، ومن رحمه الله على عباده أن جمع
في شخص الإنسان على صغر حجمه من العجائب ما يكاد بوصفه يوازي عجائب كل العالم، حتى
كأنه نسخة مختصرة من هيئة العالم، ليتوصل الإنسان بالتفكر فيها إلى العلم بالله عز
وجل. فإن قلت: فصف لي من أمر النفس جملة مشوقة إلى التفصيل، إن لم تقدر على
استقصاء القول فيه، حذراً من التطويل، فأعلم أن للنفس الحيوانية بالجملة قوتين:
إحداهما محركة والأخرى مدركة. والمحركة قسمان: باعثة ومباشرة للحركة. فالمباشرة
للحركة هي القوة التي تنبث في الأعصاب والعضلات، ومن شأنها أن تشنج العضلات، فتجذب
الأوتار والرباطات المتصلة بالأعصاب إلى نحو جهة المبدأ، أو ترخيها فتصير الأعصاب
والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ. وهذه خادمة للمحركة الباعثة. والمراد بالباعثة
القوة النزوعية الشوقية، التي تبعث على الحركة مهما حصل في الخيال صورة شيء مطلوب
أو مهروب عنه، فتحمل القوة المباشرة للحركة على التحريك. ولهذه الباعثة شعبتان:
شعبة تسمى شهوانية، وهي تبعث على تحريك يقرب من الأشياء التي يعتقدها صاحبها
ضرورية أو نافعة، طلباً للذة، والأخرى تسمى غضبية، وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به
الشيء الذي يعتقد فيه أنه ضار أو مفسد، طلباً للغاية. وأما المدركة فقسمان: ظاهرة
وباطنة. أما الظاهرة، فهي الحواس الخمس، ولسنا نخوض في تحقيقها، وإن كان القول في
معرفة حقائقها طويلاً جداً، ولكن غرضنا ذكر الجملة. وأما الباطنة فخمسة: الأولى
الخيالية، وهي التي تبقى فيها صورة الأشياء المحسوسة بعد غيبتها، فإن صورة المرئي
تبقى في الخيال بعد تغميض العين. فتلك القوة التي فيها انطبعت صورة المرئي تسمى
خيالاً، وتسمى حسّاً مشتركاً، إذ يبقى فيه أثر مدركات الحواس الخمس كلها. الثانية
الحافظة لذلك، فإن ما يمسك الشخص به صورة الشيء غير ما يقبله به، والشمع يمسك
النقش بيبوسته، ويقلبه برطوبته والماء يقبله ولا يمسكه. وهذه القوى، أعني القابلة
لمدركات الحواس الخمس والحافظة لها في التجويف الأول من مقدم الدماغ، فهو مسكنها، وبحلول
آفة فيه تختل هذه القوة، وعرف ذلك بعلم الطلب. الثالثة القوة الوهمية، وهي قوة
مترتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ، تدرك معاني غير محسوسة من المحسوسات
الجزئية، كالقوة الحاكمة في الشاة بأن الذئب مهروب عنه، وأن الولد معطوف عليه.
الرابعة الحافظة لهذه المعاني التي ليست محسوسة، كما كانت الثانية حافظة للصور،
فهي حافظة للمعاني، وتسمى ذاكرة، ومسكنها التجويف المؤخر من الدماغ. ولقد بقي
الأوسط وهو مسكن القوة المفكرة وهي مرتبة بين خزانة الصور وخزانة المعاني، وشأنها
أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض، وتفصل عن بعض، بحسب الاختيار. والعادة جارية
بذكر هذا في القوى المدركة، والأولى أن يذكر في جملة القوى المحركة، إذ ليس لها
إدراك شيء، إلا بنوع حركة بتفصيل مركب وتركيب مفصل، مما هو حاصل في الخيال. ولا
يقدر على وضع شيء مستجد ليس هو موجوداً في الخيال بحال، إلا بمجرد التفصيل
والتركيب. وهذه القوى التي ذكرناها يشارك فيها الحيوانات الإنسان إلا المفكرة، فإن
في الحيوانات شيئاً يقاربه يسمى المتخيلة، ولا تنتهي قوته إلى حد قوة المتفكرة في
الإنسان. وأما النفس الإنسانية، من حيث هي إنسانية، فينقسم قواها إلى قوة عالمة
وقوة عاملة. وقد تسمى كل واحدة منهما عقلاً، ولكن على سبيل الاسم المشترك، إذ
العاملة سميت عقلاً لكونها خادمة للعالمة، مؤتمرة لها فيما ترسم. فأما العاملة،
فهي قوة ومعنى للنفس، هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفعال المعينة الجزئية،
المختصة بالفكر والروية، على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية التي سنذكرها.
وينبغي أن يكون سائر قوى البدن مقموعة مغلوبة، دون هذه القوة العملية بحيث لا
تنفعل هذه القوة عنها. وتلك القوى كلها تسكن وتتحرك، بحسب تأديب هذه القوة
وإشارتها، فإن صارت مقهورة، حدثت فيها هيآت انقيادية للشهوات، تسمى تلك الهيآت
أخلاقاً رديئة، وإن كانت متسلطة حصلت لها هيئة استيلائية، تسمى فضيلة وخلقاً
حسناً. ولا يبعد أن يجعل الخلق اسماً لما يحصل في سائر الشهوات والقوى من الانقياد
والتأدب، أو هذه القوة من الاستيلاء والتأديب. وبالجملة لا يبعد أن يكون الخلق
واحداً، وله نسبتان، إذ هيئة الاستيلاء من هذه القوة يلازمها هيئة الانقياد من
سائر القوى، وهو المراد بالخلق المحمود. وبالجملة فالنفس أعز من أن تدرك بالحواس
الخمس بل تدرك بالعقل، أو يستدل عليها بآثارها وأفعالها. ولها نسبتان نسبة إلى
الجنبة تلك الجنبة. فهذه القوة العملية هي القوة التي لها بالقياس إلى الجنبية
التي دونها وهي البدن وتدبيره وسياسته. وأما القوة العالمة النظرية التي سنذكرها
فهي لها بالقياس إلى الجنبة التي فوقها لتفعل وتستفيد منها، أعني بالجنبة الملائكة
الموكلة بالنفوس الإنسانية، لإفاضة العلوم عليها، فإن العلوم إنما تحصل فيها من الله
تعالى بواسطة. قال الله تعال: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ
وَحْيَاً أَو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ َسُولاً)، فكأن للنفس منا وجهين:
وَجه إلى البدن، ويأبى أن يكون هذا الوجه مستولياً غير قابل البتة، ولا منفعل عن
عوارض البدن وشهواته، ووجه إلى الجنبة الشريفة العالية، ويجب أن يكون هذا الوجه
دائم القبول عما هنالك، مستمداً التأثير فإنها مهبط أسباب سعادته. وهذه القوة
النظرية العالمة هي التي من شأنها أن تتلقى المعاني الكلية المجردة عن العوارض
التي تجعلها محسوسة جزئية، فما ذكرنا معنى الكلي في كتاب "معيار العلم".
ثم هذه القوة بالنسبة إلى العلوم التي تحصل فيها على ثلاث مراتب. أولاها كنسبة حال
الطفل إلى الكتابة، فإن الطفل فيه قوة للكتابة، ولكن قوة بعيدة من الفعل، فكذا قوة
العلم له. المرتبة الثانية أن يحصل فيها جملة من المعقولات الأولية الضرورية، كحال
الصبي المميّز المراهق للبلوغ، ويكون نحو هذه القوة للصبي بالإضافة إلى الكتابة
بعد أن عرف الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة، فإنه لم يكن كذلك في المهد
إذ ليس فيه على الكتابة إلا قوة مطلقة بعيدة من الفعل، المرتبة الثالثة أن تحصل
المعقولات الكسبية كلها بالفعل وتكون كالمخزونة عنده، فإذا شاء رجع إليها ومهما
رجع تمكن منها. وحاله في العلوم حال الكاتب الحاذق الصانع الغافل عن الكتابة، فإنه
مستعد لها بالقوة القريبة استعداداً في غاية الكمال، وهذه نهاية الدرجة الإنسانية.
ولكن في هذه الرتبة درجات لا تحصى، تختلف بكثرة المعلومات وبقلتها، وبشرف
المعلومات وخستها، وبطريق تحصيلها وأنها تحصل بالإلهام الإلهي وبتعلم واكتساب،
وإنه سريع الحصول أو بطيء الحصول. وفي هذا العلم تتباين منازل العلماء والحكماء
الأولياء والأنبياء، وبحسب التفاوت فيه تتفاوت مناصبهم، ودرجات الرقي فيه غير
محدودة ولا محصورة. وأقصى الرتب درجة النبي الذي ينكشف له كل الحقائق أو أكثرها من
غير اكتساب وتكلف، بل بكشف إلهي في أسرع وقت. وهذه هي السعادة التي تحصل للإنسان،
فتقربه إلى الله تعالى تقريباً، لا بالمكان والمسافة، ولكن بالمعنى والحقيقة.
والأدب يقتضي قبض عنان البيان في هذا المقام، فقد انتهى الأمر بطائفة إلى أن ادعوا
اتحاداً وراء القرب، فقال بعضهم: "سبحاني ما أعظم شأني"، وقال آخر:
"أنا الحق"، وعبر آخر بالحلول، وعبر النصارى باتحاد اللاهوت والناسوت،
حتى قالوا في عيسى صلوات الله عليه أنه نصف الله، تعالى الله عن قول الظالمين
علواً كبيراً، وبالجملة فمنازل السائرين إلى الله تعالى لا تنحصر، وإنما يعرف كل
سالك المنزل الذي قد بلغه في سلوكه، فيعرف ما خلفه من المنازل. فأما ما بين يديه
فلا يحيط بحقيقته، إلا بطريق الجملة، والإيمان بالغيب، فلا يعرف حقيقة النبوة إلا
النبي. وكما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميّز وما افتح له من
العلوم الضرورية، ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية، فلا يعرف
عاقل ما انفتح لأولياء الله وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته، (مَا يَفْتَحُ اللهُ
لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا). فهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود
الإلهي غير مضنون بها على أحد. ولكن لا بد من الاستعداد للقبول بتزكية النفس
وتطهيرها عن الخبث والكدورة. وكما أن الصورة المتلونة ليس فيها منع من أن تنطبع في
الحديد الخبيث، إلا الحجاب من جهة الحديد في صدأه وخبثه، وافتقادره إلى صيقل يجلوه
ويزيل خبثه ويجليه، فهكذا ينبغي أن تعتقد أن الحجاب من جانبك لا من جانب الرحمة
الإلهية. ولذلك قال عليه السلام: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا
لها". ولذلك عبّر عن غاية الجود والبذل من ذلك الجانب، بأدل العبارات على
الشوق والرغبة، فقال: "يُنزِّلُ الله كلّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، حين يبقى
ثلث الليل الأخير فيقول: هل من داع فأستجيب له، هل من مسترحم فأرحمه". وقال:
"طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقاً" وقال: "من
تقرّب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومَنْ أتاني يمشي أتيته هرولة". وعليك
أن تستقرئ من القرآن والأخبار ما يناظر ذلك فإنه خارج عن الحصر والإحصاء.
بيان ارتباط قوى النفس بعضها ببعض
اعلم أن هذه
القوى متفاوتة الرتب، فإن بعضها أريدت لنفسها، وبعضها أريدت لغيرها، وبعضها خادمة،
وبعضها مخدومة. والرئيس المطلق منها هي التي تراد لنفسها، ويراد غيرها لها، وليس
ذلك إلا الرتبة الأخيرة، وفيها تفاوت رتب الأولياء والأنبياء. فإن الإنسان لم يخلق
إلا لما هو من خاصيته، وما عدا القوى المخصومة بالنفس الإنسانية يشاركها فيها
الحيوانات، فإن الإنسان خلق على رتبة بين البهيمية والملك، وفيه جملة من القوى
والصفات. فهو من حيث يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث يحس ويتحرك فحيوان، ومن حيث صورته
وقامته فكالصورة المنقوشة على حائط. وإنما خاصته التي لأجلها خلق قوة العقل، ودرك
حقائق الأشياء. فمن استعمل جميع قواه على وجه التوصل بها إلى العلم والعمل، فقد تشبه
بالملائكة، فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكاً وربانياً، كما قال: (إنْ هَذا
إلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية، يأكل كما يأكل
الأنعام، فقد نزل إلى أفق البهائم، فيصير إما غمراً كثور، وإما شرهاً كخنزير، وإما
صرعة ككلب، وأما حقوداً كجمل، أو متكبراً كنمر، أو ذا روغان كثعلب. أو يجمع ذلك
كله كشيطان مريد. وبالجملة من تصفح القوى التي ذكرناها، عرف أن مقتضيات العقل
أرفعها وأعلاها، فينظر بعين التعجب كيف يخدم بعضها لبعض خدمة ضرورية عليها فطرت،
ولا تستطيع مخالفة أمر الله تعالى فيها. فإن العقل هو الرئيس المخدوم، ويخدمه
وزيره وهو أقرب الأشياء إليه، وهو العقل العملي، الذي سميناه قوة عاملة بحسب مراسم
العقل. لأن العقل العملي لأجل تدبير البدن، والبدن آلة النفس ومركبها، تقتنص به
بواسطة الحواس مبادئ العلوم التي تستنبط منها حقائق الأمور. ثم العقل العملي يخدمه
الوهم، والوهم يخدمه قوتان: قوة بعده وقوة قبله. فالقوة التي بعده هي القوة
الحافظة لما أدركه وأداه إليه، والقوة التي قبله هي جميع القوى الحيوانية على
الترتيب الذي سنذكره، ومن جملتها المتخيلة، أعني المفكرة، ويخدمها قوتان مختلفتا
المأخذ، فالقوة الرغبية الشوقية تخدمها بالانبعاث، لأن انبعاثها إلى الحركة،
بالتخيل والفكر. والقوة الحافظة للصور التي في الحس المشترك تخدمها بقبول التركيب
والتفصيل، فيما فيها من الصور. ثم هذان رئيسان لطائفتين، أما الحافظة للصور
فيخدمها (الحس) المشترك، برفع االصور إليها حتى تحفظ. وأما القوة النزوعية فتخدمها
الشهوة والغضب، والشهوة والغضب تخدمهما القوة الحركة للعضل، وعندها تنتهي القوى
الحيوانية. والقوى الحيوانية بالجملة يخدمها النباتية، والنباتية ثلاث، المولدة
والمربية والغاذية، ورأسها المولدة، وتخدمها المربية والغاذية تخدمها. ثم يخدم هذه
قوى أربع، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة، إذ لا بد في النبات من قوة
جاذبة للغذاء إليه، ثم ماسكة، ثم هاضمة تهضم ما أمسكته الماسكة، ثم دافعة تدفع
فضله، والدافعة هي الخادمة التي لا خادم لها، وكأنها كالكناس في نظام أمر البلد،
ثم الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة تخدم القوى الهاضمة والجاذبة والماسكة
والدافعة، وهذه آخر درجات القوى في الأجسام. وقد ضرب للقوى المذكورة مثال يقربها
إلى إفهام العوام، فقيل القوة المفكرة مسكنها وسط الدماغ بمنزلة الملك، يسكن وسط
المملكة. والخيالية مسكنها مقدم الدماغ، جارية مجرى صاحب بريدة، أو مجتمع الأخبار
عنده. والحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ، جارية مجرى خادمه، والقوى الناطقة جارية
مجرى ترجمانه، والعاملة جارية مجرى كاتبه، والحواس جارية مجرى الجواسيس وأصحاب
الأخبار الصادقة اللهجة، فيما يرفعونه من الأخبار، فيلتقط كل واحد الخبر من الصق
الذي وكل به، إذ البصر موكل بعالم الألوان والسمع بالأصوات، وهكذا الجميع. فيرفعون
هذه الأخبار إلى صاحب البريد وصاحب البريد يسقط ما يراه حشواً، ويرفع الباقي
صافياً إلى حضرة الملك، فيميزه ويعرف منافعه ومضاره، ويسلمه لخادمه إلى وقت
الحاجة، فحينئذ يتقدم بإخراجه، وكما أن الأعمال التي يتولاّها الملك بنفسه أشرف
مما يستعمل فيه غيره، فكذلك ما تتولاه النفس التي هي الملك بالحقيقة، بواسطة
المفكرة، من الروية والاعتبار والقياس والفراسة واستنباط المجهول، أشرف مما تستعمل
فيه الخدم. وهذا المثال قريب مما روي أن حبر الأمة قال: "دخلت على عائشة،
فقالت: الإنسان عيناه مهاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ورجلاه
بريدان، والقلب ملك. فإذا طاب طاب جنوده". فقالت: "هكذا سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول". فهذه جمل من أحوال النفس تلوناها عليك على سبيل
الاقتصار، وإنها بعض عجائب النفس. ولو نظرت في تشريح الأعضاء، وفحصت عن عدد العروق
والأعصاب والعضل والعظام والشرايين والأوردة، ثم إلى الأعضاء الآلية التي أعدت
للنفس، ولجذب الطعام ثم لهضمه ثم لدفعه، وإلى الآلات التي خلقت للتناسل، ورأيت
العجائب في خدمة بعضها بعضاً بالضرورة، ثم بعد فراغك من تشريح الأجسام نظرت في
تفصيل قوى تلك الأجسام، واستقصيته بمعرفة حقائق العلوم الطبيعية، لقضيت منها آخر
العجب. فتعساً لمن كفر بالله وغفل عن قوله: (وَفي الأرض آيَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ،
وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرون)، بل في كل شيء دليل على أنه واحد. ومن لم
يؤمن بالله على الجملة، فليس من العقلاء، وهو أخسّ من أن يخاطب بمثل هذه الكلمات.
وإنما كلامنا مع من صدّق بالجملة، فندعوه إلى البحث عن صنع الله، ليزداد بسببه
يقينه وإيمانه، ويتفاقم به تعظيمه وإجلاله. فكل ما لا يدرك بالحواس، وإنما يدرك
بالعقل بواسطة آثاره، فسبيل استقصاء معرفته استقصاء النظر في آثاره. بل نضرب
مثالاً يقرب من فهم الخلق كافة، فما من فقيه إلا وقد اعتقد في المذكورين من
العلماء مثل أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، رتبة تتقاضاه التعظيم. وهذا يشترك فيه
الخلق، ولكن ليس من يتصفح تصنيف مصنف، فيرى فيه من عجائب صنعه وبدائع حذقه، يبقى
اعتقاده في التعظيم على ما كان عليه قبل معرفته، بل لا يزال يطلع على صفة غريبة له
في كلامه وتصنيفه أو شعره، وتزداد نفسه له تعظيماً وتوقيراً واعتقاداً. فمن عرف أن
الله صانع العالم، كمن عرف أن زيداً متميز عن غيره، بكونه ناظم ديوان، ومصنف كتاب.
وأين هذا من اعتقاد من تصفح الشعر، فرأى فيه غرائبه؟ فهذا يعتقد عظمته ورتبته
اعتقاداً راسخاً عن تحقيق وبصيرة والآخر يعتقد اعتقاداً مجملاً ضعيفاً، غير مدرك
بالبصيرة والتحقيق. وهذا فرق بين رتبة العوام وذوي البصائر في هذا الأمر الواحد. والعالم
بما فيه من العجائب تصنيف الله وتأليفه وإبداعه واختراعه، والنفس جزء من أجزاء
العالم، وكل جزء من أجزاء العالم مشحون بالعجائب، فلا يزال الباحث عنها مستفيداً
زيادة اعتقاد، وتأكيد إيمان، ولذلك حثّ الله على التفكر في الأنفس والآفاق وملكوت
السموات والأرض.
بيان نسبة العمل من العلم وإنتاجه السعادة التي اتفق عليها
المحققون من الصوفية بأجمعهم، وساعدهم من النظار طوائف سواهم:
إن تأثير العمل
لإزالة ما لا ينبغي، والسعي في العلم، سعي في تحصيل ما ينبغي وإزالة ما لا ينبغي،
شرط لتفريغ المحل لما ينبغي، والمشروط هو المقصود، وهو أشرف من الشرط. ومثاله من
أراد استيلاد إمرأة بها علة، تمنع العلوق، فعليه وظيفتان: إحداهما إماطة العلة
المفسدة للحمل، المانعة من العلوق، والأخرى إيداع النطفة بعد إزالة العلة المانعة.
فالأولى شرط للثانية، والثانية هي الغاية المطلوبة. وإذا فرضت داراً بنيت لملك،
رتبة تلك الدار نزول الملك فيها، وقد اغتصبها القردة والخنازير، فجمال تلك الدار
وكمالها موقوف على أمرين: أحدهما إزعاج القردة النازلين فيها بغير حق والآخر نزول
المستحق. وإذا فرضنا مرآة صدئة قد ستر الخبث صفاها، ومنع انطباع صورنا فيها، فكمال
المرآة أن تستعدّ لقبول الصور، فتحكيها كما هي عليها، وعلى مكملها وظيفتان:
إحداهما الجلاء والثقل، وهي إزالة الخبث الذي ينبغي أن لا يكون، والثانية أن يحاذي
بها نحو المطلوب حكاية صورته. فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير مرآة، يحاذي بها
شطر الحق في كل شيء، فتنطبع به كأنها هو من وجه، وإن كانت غيره من وجه آخر، كما في
الصورة والمرآة. وكمالها في مثل هذه الدرجة وهذه الخاصة التي فارقت بها ما تحتها
من الحيوانات، إذ هذا الاستعداد مسلوب عن الحيوانات كلها، سوى الآدمي بالقوة
والفعل جميعاً، كما انسلب عن التراب والخشب الاستعداد لحكاية الصور، وأن يكون مرآة
لها، وهو موجود بالفعل أبداً للملائكة، لا يفارقها، كما أنه موجود للماء الصافي،
فإنه يحكي الصورة بطبعه حكاية مخصوصة، وهو موجود للآدمي بالقوة لا بالفعل. فإن
جاهد نفسه التحق بأفق الملائكة، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة
النفس، باتباع الشهوات، اسودّ قلبه وتراكمت ظلمته، وبطل بالكلية استعداده، والتحق
بأفق البهائم، وحرم سعادته وكماله حرماناً أبدياً، لا تدارك له. فإذن العمل معناه
كسر الشهوات بصرف النفس عن صوبها، إلى الجنبة العالية الآلهية، ليمحي عن النفس
الهيئات الخبيثة، والعلائق الردية التي ربطتها بالجنبة السافلة. حتى إذا محقت تلك
العلائق، أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الآلهية، ففاضت عليه من جهة الله
تعالى تلك الأمور الشريفة، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين. وذلك صيد
ينفق على قدر الرزق، وبأحكام الأصل فيه يزيد الاسترزاق، كما يعرضن من زيادة
الاسترزاق بالأسباب في اقتناص الصيد، بل في اقتناص الربح والتجارة، بل في اقتناص
فقه النفس. فإن القليل بالاجتهاد قد يجاوز حد المجتهدين بمزيد ذكاء فطري، فكذا
طهارة النفس عن هذه العلائق في أول الفطرة في غاية الاختلاف. ثم الجهد أيضاً يختلف
وينشأ من ذلك تفاوت لا ينحصر، فكذا سعادة الآخرة. ففيضان هذه الرحمة من الله عز
وجل على النفس غاية المطلوب، وهو عين السعادة التي للنفس بعد الموت، ولكنها مشروطة
بإزالة العلائق ومحو الصفات الردية التي تأكدت للنفس باتباع الشهوات. فإذن العمل
يرجع إلى مجاهدة النفس بإزالة ما لا ينبغي. وإذا نسب إلى اتباع الشهوات ظهرت
فضيلتها، وإذا نسب إلى تحصيل ما ينبغي كانت رتبتها منه مرتبة الشرط من المشروط،
والخادم من المخدوم، وما أريد لغيره بالنسبة إلى ما أريد لنفسه، وعليه نبه النبي
صلى الله عليه وسلم إذا قال: "الإيمان بضع وسبعون باباً، أدناها إماطة الأذى
من الطريق. والمجاهدة بالعبادات أكثر أغراضها إماطة الأذى عن الطريق. ولقائل أن
يقول المراد بالحديث التقاط الزجاج العظم والحجارة من الشوارع، وأن هذا هو السابق
إلى فهم الأكثرين. ولقائل آخر: أن يقول إن الناس يتفاوتون في فهم معاني الألفاظ،
على حسب تفاوت رتبهم، ولذلك قال عليه السلام: "نضر الله أمراً سمع مقالتي
فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه
منه". فلولا أن في ألفاظه ما يسبق إلى فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم
الفقيه، لما أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى
فهم الفقيه، لما أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق
إلى فهم الفقيه أو الأفقه أو في جانب غيرهم؟ ولا شك أن هذا عزيز نادر، والغالب
خلافه. فالسابق إلى فهم الجماهير يكاد الحق يجانبه، وينحاز إلى ما يفهمه الفقيه
والأفقه، ولا سيما في لفظ لا يصرح بالتخصيص. فإن لفظ الأذى عام، ولفظ الطريق عام.
ولو أريد الخاص لذكر الزجاج أو المدر ونبه على أمثاله. وذلك الظاهر أيضاً مندرج
تحت العموم، فإنه بذلك العمل أيضاً مصلح نفسه، ومهذب خلقه، ومميط عن النفس رذيلة
الغفلة والغشاوة، وقلة الشفقة، على ما سنذكره في تفصيل سوء الأخلاق وحسنها. فقد
عرفت أن سعادة النفس وكمالها أن تنتقش بحقائق الأمور الآلهية وتتحد بها حتى كأنها هي،
وأن ذلك لا يكون إلا بتطهير النفس عن هيئات ردية تقتضيها الشهوة والغضب، وذلك
بالمجاهدة والعمل. فالعمل للطهارة، والطهارة شرط ذلك الكمال. ولذلك قال عليه
السلام: "بني الدين على النظافة".