مقاصد أسماء الله الحسنى وصفاته العليا

عند الإمام الغزالي

محمد عبدو

abou_hamed1@yahoo.fr        

 

مقاصد العقيدة والشريعة آلة تعصم الخلق مراعاتها من أن يضلوا في طريقهم، ويعثروا بفضلها على جهة مطلوبهم. وقد أدرك علماؤنا الماضين قبلنا أن الخوض في هذا الفن مهم، فطولوا النفس في إيضاحه، وتمهيد قواعده. ومن هؤلاء أبو حامد الغزالي؛ فقد ارتقى في مقاصد الشريعة إلى مقام، فلا أحد إلى يومنا هذا أرقى منه، كما تشهد لذلك تآليفه وتقاييده.

 

ومن المقاصد التي استظهر رحمه الله في كشف الغطاء عنها؛ مقاصد أسماء الله الحسنى وصفاته العلا. ونحن نطرح عنها الحجاب برسم مطلبين :

المطلب الأول :  في الكلام على الأسماء الحسنى والصفات العليا، و بيان مقاصدهما الكبرى

ويشتمل هذا المطلب على سبع مسائل :

 

المسألة الأولى : في بيان اشتمال الأسماء والصفات على المعاني و الأسرار.

يصرح الإمام الغزالي في مواضع كثيرة من تصانيفه بأن أسماءه تعالى وصفاته تنطوي على معان وأسرار، سوى المفهوم من ظاهرها.

 

من ذلك ما ورد في كتاب آداب تلاوة القرآن من "الإحياء". فبعدما ذكر أبو حامد بأنه يتعين على التالي لكتاب الله العزيز أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، قال: "أما صفات الله عز وجل، فكقوله تعالى : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وكقوله تعالى :(الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار)، فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين "([1]).

 

ثم استشهد بأثرين ثم قال : " وأعظم علوم القرآن تحت أسماء الله عز وجل وصفاته؛ إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أمورا لائقة بأفهامهم، ولم يعثروا على أغوارها ".([2])

 

فبان بهذا؛ أن في فهم معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا متسعا لأرباب الفهم.

 

وهذا النص ليس فيه إلا تقرير اشتمال الأسماء والصفات على معان وأسرار من غير شرح وبيان.وهي مبينة بأقصى غايات البيان في كتاب "المقصد الأسنى"، على ما أبسطه في المسألة التي تلي هذه

 

المسألة الثانية : في بيان المقاصد الكبرى للأسماء والصفات .

اعلم أن كل ما يراد لشيء فدون حصول مقصوده يكون ضائعا. ومقصود الأسماء والصفات عند أبي حامد إنما هو التحلي بمعانيها، ونيلها نيل اتصاف. فمن جرد التفاته إلى وجهها البراني، أو ظن أنه لا معنى لها إلا ما ترجمه ظاهرها، فدرجته نازلة جدا، وطريق الهداية عليه مسدود.

 

وإلى هذا المعنى الإشارة بقول أبي حامد في الفصل الرابع من الفن الأول من كتاب "المقصد الأسنى"؛ قال في أول الفصل : " اعلم أن من لم يكن له حظ من معاني أسماء الله تعالى إلا بأن يسمع لفظه،  ويفهم في اللغة تفسيره و وصفه، ويعتقد بالقلب وجود معناه في الله تعالى، فهو مبخوس الحظ نازل الدرجة، ليس يحسن أن يتبجح بما ناله ".([3])

 

فالعاقل - إذن - من كانت عين نفسه مكحولة بالنظر إلى معانيها، وقدمه موقوفة على مقاصدها، مسافرا بعقله في أسرار الصفات العليا، وما فيها من آيات ربه الكبرى. فذلك الذي يكاد زيت إيمانه يضيء ولولم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.

 

فهذا الصنف من الناس عند أبي حامد هم المقربون، وحظهم من معاني أسماء الله الحسنى ثلاثة:

 

الحظ الأول :

 

معرفة هذه المعاني على سبيل المكاشفة والمشاهدة، حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ، وينكشف لهم اتصاف الله تعالى بها انكشافا يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة، التي يدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهر([4]).

 

الحظ الثاني:

استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث من الاستعظام يشوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات، ليقربوا من الحق قربا بالصفة لا بالمكان.

 

ولن يتصور أن يمتلئ القلب باستعظام صفة واستشراقها إلا ويتبعه شوق إلى تلك الصفة، وعشق لذلك الجلال والجمال، وحرص على التحلي بذلك الوصف إن كان ذلك ممكنا للمستعظم بكماله، فإن لم يكن بكماله فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة([5]).

 

الحظ الثالث :

  السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات. والتخلق بها والتحلي بمحاسنها، وبه يصير العبد ربانيا، أي قريبا من الرب تعالى، فإنه يصير رفيقا للملأ الأعلى من الملائكة، فإنهم على بساط القرب، فمن ضرب إلى شبه من صفاتهم نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى الحق تعالى([6]).

 

ومن نصوص "الإحياء" في تقرير هذا المعنى، ما ذكره أبوحامد في معرض بيانه لما يجوز أن يذكر في الكتب وما لا يجوز أن يسطر، من كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا ولفظه : " فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية حتى قيل : تخلقوا بأخلاق الله، وذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الإلهية؛ من العلم والبر والإحسان واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحق ومنعهم من الباطل، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة . فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات" ([7]).

 

 فهذه الحظوظ الثلاثة العالية، والمعاني الشريفة السامية، لا يشك عاقل في صحتها وموافقتها لمقاصد الإلهية.

 

المسألة الثالثة : في أن من أسمائه تعالى وصفاته ما لا يجوز للعبد أن يتصف به.

 

مثاله : الكبرياء والعظمة الواردتان في الحديث القدسي : " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحدة منهما أدخلته نار جهنم".([8])

 

قال أبو حامد في عقب هذا الحديث : " والمعنى أن العظمة والكبرياء من الصفات التي تختص بي فلا ينبغي لأحد غيري، كما رداء الإنسان وإزاره يختص به لا يشارك فيه ".([9])

 

المسألة الرابعة : في أنه لا مكرر في أسمائه تعالى وصفاته.

 

نجد أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مكررة في الكتاب العزيز مرات، لعلها تبلغ المئات. ويبعد أن يجري ذكرها لمجرد التكرار، لأن الألفاظ لا تراد لحروفها ومخارج أصواتها، بل لمفهوماتها ومعانيها.

 

ويعرف هذا بمثال :

 

قال أبو حامد عند تفسيره لفاتحة الكتاب في كتابه "جواهر القرآن ودرره " وقوله : (الرحمن الرحيم)، نبأ عن صفة من صفات خاصة، وخاصيتها أنها تستدعي سائر الصفات من العلم والقدرة وغيرهما، ثم تتعلق بالخلق، وهم المرحومون، تعلقا يؤنسهم به، ويشوقهم إليه، ويرغبهم في طاعته، لا كوصف الغضب، لو ذكره بدلا عن الرحمة فإن ذلك يحزن ويخوف، ويقبض القلب ولا يشرحه ....

 

و قوله ثانيا : (الرحمن الرحيم) إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظـن أنه مكرر، فلا تكـرر في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة، وذكر الرحمة بعد ذكر العالمين و قبل ذكر (ملك يوم الدين) ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة.

 

إحداهما : تلتفت إلى خلق رب العالمين، فإنه خلق كل واحد منهم على أكمل أنواعه و أفضلها، وآتاه كل ما يحتاج إليه...

 

وثانيهما : تعلقها بقوله (ملك يوم الدين)، فيشير إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد في مقابل كلمة وعبادة، وشرح ذلك يطول "([10]).

ثم ينبه أبو حامد عقيب هذا الكلام على المقصود بقوله :" والمقصود أنه لا مكرر في القرآن، فإن رأيت شيئا مكررا من حيث الظاهر، فانظر في سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته "([11]).

 

 فقد بين أبو حامد بما فسر، وقرر بما فصل، الوجه الذي يصح التوافي عليه، في معرفة دقائق معاني الأسامي التي يبدو أنها مكررة في القرآن. فليجل الناظر الرأي في اسم اسم، وصفة صفة، وليتدبر معانيهـا، وليتأمل مغازيها، ثم ليقض ما هو قاض.

 

المسألة الخامسة : في أنها ليست متناقضة عند من عرف معانيها ، وخفايا أسرارها.

مثاله: الأول والآخر والظاهر والباطن، في قوله تعالى في سورة الحديد : (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم )([12]).

 

فالذي يجرد التفاته إلى ظاهر هذه الأسماء، يستبعد هذا ويقول : كيف يكون هو الأول والآخر وهما وصفان متناقضان ؟ وكيف يكون هو الظاهر والباطن، فالأول ليس بآخر، والظاهر ليس بباطن؟

 

والذي ينظر بنور الله تعالى، ويتدبر باطن معانيها، يعلم أن الأمر على خلاف المظنون.

ولله در أبي حامد ما أنسب ما قال بهذا المقام، فإنه قال في كتاب التوحيد والتوكل من "الإحياء" ما لفظه :"هو الأول بالإضافة إلى الموجودات؛ إذ صدر منه الكل على ترتيبه واحد بعد واحد، وهو الآخر بالإضافة إلى سير السائرين إليه، فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة، فيكون ذلك آخر السفر، فهو آخر في تلك المشاهدة، أول في الوجود، وهو باطن بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة، الطالبين لإدراكه بالحواس الخمس، ظاهر بالإضافة إلى من يطلبه في السراج الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة النافذة في عالم الملكوت "([13]).

 

فثبت بهذا أنها غير متناقضة، وأن من لا يطلع على كنهها، ولا يحيط بمعانيها، يوشك أن يزل في درك مقاصدها.

المسألة السادسة : في بيان أن هذه الأسامي ليست مترادفة، وأنه يلحق كل واحد منها خواص ومعان لا تلحق الأخرى.

 

يستبعد أبو حامد أن يكون اسمان لا يدلان إلا على معنى واحد، مهما كان الاسمان من جملة التسعة والتسعين، كالكبير والعظيم، والقادر والمقتدر، والخالق والبارئ. وذلك لأن الإسم لا يراد لحروفه بل لمعانيه، والأسامي المترادفة لا تختلف إلا حروفها([14]).

 

قال أبو حامد يبين أن هذه الأسامي ليست مترادفة وأنه لا بد أن تختلف مفهوماتها، قال :" وإنما فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من المعاني. فإذا خلا عن المعنى لم يبق إلا الألفاظ. والمعنى إذا دل عليه بألف اسم لم يكن له فضل على المعنى الذي يدل عليه باسم واحد.

 

فبعيد أن يكمل هذا العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد، بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ خصوصي معنى"([15]).

 

مثاله : الغني مع الملك، والعليم مع الخبير، فإنها أسماء متقاربة. لكن لأبي حامد في هذا مسلك يخرجها عن أن تكون مترادفة، وهو"أن نتكلف إظهار مزية لأحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على دلالة لا يدل عليها الآخر "([16]).

 

وعند هذا يقال :إن الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء، والملك أيضا لا يحتاج إلى شيء، ولكنه يحتاج إليه كل شيء. فيكون الملك مفيدا معنى الغني وزيادة. وكذلك العليم والخبير. فإن العليم هو الذي يدل على العلم فقط. والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة([17]).

 

فاتضح بهذا المنهج أنها ليست مترادفة، وأن حسن الأسامي لما تنطوي عليه من المعاني.

وقد أشار العارف الصاوي إلى هذا المعنى في حاشية الجلالين في آخر تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى: ( فله الأسماء الحسنى)،([18]) قال : " وحسن أسمائه تعالى لدلالته على معان شريفة، هي أحسن المعاني لأن معناها ذات الله تعالى وصفاته "([19]).

 

المسألة السابعة : "تتضمن هذه المسألة الكلام على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لله تسعة وتسعين اسما: مائة إلا واحدا ...إنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة " الحديث([20]).

أورد أبو حامد هذا الحديث بهذا اللفظ في بداية شرحه لمعاني أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وبيان أسرارها على التفصيل. وذلك في الفن الثاني من كتابه"المقصد الأسنى" والذي سماه : "المقاصد والغايات" ([21]).

 

ولا غرض لي من الخوض في هذه المسألة إلا أن أبين أن المقصود من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام "من أحصاها"، هو معرفة أسرارها ومعانيها، وإلا فإن مجرد الإحصاء قليل الغناء.

 

وأبو حامد لم يصرح بهذا تصريحا، ولكني أستصحب كلامه الوارد في صدر الفصل الرابع من السوابق والمقدمات من كتاب "المقصد الأسنى([22]) حيث صرح بأن من لم يكن له حظ من هذه الألفاظ سوى معرفة أسمائها فهو مبخوس الحظ، نازل الدرجة، فيشبه أن يكون الذي يحصي هذه الأسماء ويعدها عدا، دون معرفة أسرارها، نازل الدرجة أيضا.

 

وقد يوجد في كلام بعض العلماء ما يشير إلى وجه المقصود.

 

من ذلك ما أورده العلامة النبهاني صاحب كتاب "الاستغاثة الكبرى بأسماء الله الحسنى"، فإنه قال بعد كلام : " وقيل معناه؛ من عرف معانيها وآمن بها. وقيل معناه : من أحصاها بحسن الرعاية لها وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها "([23]).

 

وقد حكى أيضا عن العارف الصاوي قوله :"والحفظ والإحصاء عند أهل الظاهر معرفة ألفاظها ومعانيها، وعند أهل الله هو الاتصاف بها والظهور بحقائقها، والعثور على مدارج نتائجها "([24]).

 

فخرج من هذا البيان، أن يكون المقصود "بأحصاها " معرفة عددها، أو الوقوف على مبانيها، بل المقصود الغوص والتحقيق والتعمق في معانيها إلى أقصى الغايات، والتخلق بأخلاقها التي هي الأخلاق الإلهية.

 

المطلب الثاني : في ذكر بعض الفوائد المستخلصة من المطلب الأول

وهي سبع فوائد :

 الفائدة الأولى :

الأسماء التسعة والتسعون تنطوي على معان مخصوصة، فالمعاني والأسرار التي يستنبطها المجتهد منها، يجب أن تكون موافقة لقصد الشارع الحكيم. وذلك أمر عسير المدرك، صعب المنال، عزيز المرام، وإليه أشار أبو حامد بقوله:" وتحقيق معنى الأسماء والصفات على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والنقل والشرع في غاية الغموض والعسر "([25]).

 

   الفائدة الثانية :

كلما كانت الإحاطة بمعاني أسماء الله وصفاته أتم، والتخلق بأخلاقها أكمل، كانت مسافة العبد أقرب لا محالة من الذي له الكمال المطلق، وأعني قربا بالرتبة والدرجة لا بالمكان والمسافة.

 

وفي هذا تتفاوت مراتب الخلق تفاوتا لا ينحصر.

 

ولأبي حامد في هذه المسألة قول بليغ جدا وهو: "فليس من يعلم أنه تعالى عالم قادر على الجملة، كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السموات والأرض، وخلق الأرواح والأجساد، واطلع على بدائع المملكة، وغرائب الصنعة، ممعنا في التفصيل، ومستقصيا دقائق الحكمة، ومستوفيا لطائف التدبير، ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من الله تعالى، نائلا لتلك الصفات نيل اتصاف لها. بل بينهما من البون البعيد ما لا يكاد يحصى"([26]).

الفائدة الثالثة:

لا أجد معنى لكلمة "المقربين"، الواردة في كلام أبي حامد في المسألة الثانية سوى أنهم الصوفية. واعتضد هذا بمصطلحات يستعملها القوم، مثل المشاهدة والمكاشفة. وفي ذلك إشارة إلى أن الصوفية أكثر الخلق سعيا وراء التحلي بمعاني تلك الصفات والأسماء، وأقدرهم كشفا لأسرارها، وأقواهم هتكا لأستارها، وأحرصهم طلبا لمقاصدها، طلب دراية لا طلب رواية.

 

والبرهان على صحة هذا التقرير مذكور في كتاب قواعد العقائد من "الإحياء"، حيث صرح أبو حامد بأن العبد إذا "أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة، و ساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل و لازم التقوى ونهى النفس عن الهوى و اشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له أبواب من الهداية، تكشف عن حقائق هذه العقيدة بنور إلهي يقذف في قلبه بسبـب المجاهدة، تحقيقا لوعـده عز و جل إذ قـال : (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، و إن الله لمع المحسنين). وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية إيمان الصديقين و المقربين، و إليه الإشارة بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث فضل به الخلق. و انكشاف ذلك السر، بل تلك الأسرار له درجات بحسب درجات المجاهدة، ودرجات الباطن في النظافة و الطهارة عما سوى الله تعالى، وفي الاستضاءة بنور اليقين، وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطب والفقه وسائر العلوم، إذ يختلف ذلك باختلاف الاجتهاد واختلاف الفطرة في الذكـاء والفطنة، وكما لا تنحصر تلك الدرجات فكذلك هذه"([27]).

 

وما قاله أبو حامد حق لا ريب فيه، فقد انكشف لي في أثناء الصلاة والذكر وتلاوة القرآن أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. بحيث تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له، والسرور يحركك من عجيب ما وقفت عليه، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك بالله تعالى وأسرار خلقه عزة، وفي أعطافك ارتياحا وهزة، وترى لك في الفضل تقدما وتبريزا، وفي اليقين سبقا وتحقيقا.

 

والمشاهدة والتجربة تكفي في هذا بيانا، فناهيك بالعيان برهانا([28]).

 

على أن صحة هذا الطريق في معرفة حقائق الأمور له شواهد من الكتاب العزيز، لا ينكرها إلا معاند متعام.

الفائدة الرابعة : تعبير أبي حامد عن تلك المعاني والمقاصد بالحظوظ، تحته معنى مضمر؛ وهو جلبها لأفضل المصالح ودرؤها لأسوء المفاسد.

 

وهذا يتفق تمام الاتفاق مع القاعدة المقررة في هذا الفن، وهي أن العقائد الشرعية موضوعة لمصالح العباد من بين أيديهم ومن خلفهم.

 

وأيضا، ففي تعبير أبي حامد عن تلك المقاصد بالحظوظ، دليل على أنهما مترادفان عنده.

 

على أن شيخي الدكتور أحمد الريسوني، ذكـر في مقـال له، ما يفيـد أنهما ليسا كذلك عنـد أبي حامد([29]).

 

لكن قد صرح الإمام الغزالي في كتاب النية و الإخلاص و الصدق من "الإحياء" بما يشعر أن هذين اللفظين يصبان في واد واحد.([30])

 

 

الفائدة الخامسة : إذا تقرر أنها تجلب السعادة الدنيوية والأخروية، فاعلم أن أقصى غايات السعادة التي تفضي إليها هو القرب من الله تعالى.

 

فإذا ما العبد نخل تلك الأسامي حتى أسفر وجه المعاني، ثم لم يكتف بذلك، بل جعل تلك المعاني رداءه، وأخلاقها إزاره، فهو الذي يقرب من الله تعالى قربا لا بالمكان والمسافة، ولكن بالمعنى والحقيقة. ومن اقترب نظر: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).  ([31])

 

فتبين أن الأسماء والصفات إنما تراد لسعادة القرب من رب العالمين. ولما كانت مرادة لأجلها، كان تضييعها جناية على ذلك المقصود. وكل جان كان مكتويا بنارين، نار الحرمان لتلك السعادة، ونار الحجاب والإبعاد يوم القيامة، (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم) ([32]) <